
تحل علينا في هذه الأيام، الذكرى 29 لانتصار ثورة الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني رحمه الله والمؤسسة الدينية في إيران.
ملحمة كبرى وفريدة، أبهرت العالم بقوتها وتمكنها من إزاحة أقوى وأعثى الأنظمة الطاغوتية في العالم.
"حينما يقــوم الدم والإيمان لمواجهة سيف الظلم " هو شعار هذا الموضوع الذي سنستشف من خلاله إمكانات ومقومات وآليات قومة الشعب الإيراني، وحجم التحديات التي واجهتها والتضحيات التي بذلتها في سبيل العزة والكرامة والجمهورية الإسلامية.
ارتبطت الثورة الإسلامية في إيران بانطلاقة دعوة أية الله السيد روح الله الموسوي الخميني، منذ أن بادر الى تدريس الفقه والفلسفة والأخلاق بالحوزة العلمية بقــم. وآنذاك عمد رجال الشاه رضا خان إلى الحد من نشاطاته ولكن حركة التوعية التي كان قد بدأها الإمام لم تنكفئ بتلك الإجراءات . وبوفاة أية الله البروجردي أعلن عن اختيار الإمام الخميني مرجعا عاما من قبل العموم ورجال الدين . وتلو ذلك تعاظم الجهاد السياسي للإمام واشتدت حدة كفاحاته, إذ بلغت ذروتها خلال الفترة1961-1963م .

وقد انتفض الشعب على اثر خطابه الشهير في (3/6/1963م) في المدرسة الفيضية حول تبعية النظام الشاهنشاهي وجرائم أمريكا وإسرائيل وكذالك دور علماء الدين ورسالتهم فما كان من النظام الحاكم إلا أن بادر بعد إلقاء الخطاب إلى اعتقال الإمام وإيداعه السجن في (5/6/1963م),غير أن الشعب نزل إلى الشوارع بفعل ذلك الخطاب التاريخي الحاسم واستمرت حركة الاحتجاج في طهران والمدن الأخرى تتصاعد لحظة بعد لحظه وعلى مدى يومين كاملين حيث احتلت الدبابات طهران، المركز الرئيسي لتظاهرات الأمة، وأضحى صوت إطلاق النار يسمع من كل مكان وقد تمكن النظام الدكتاتوري من قمع الانتفاضة ظاهرياً وذلك بقوة السلاح وبقتل عدد كبير من أبناء الشعب لكن الـ 5/6/1963م ذاك، صار نقطة التحول في الثورة الاسلاميه ومنه استمدت الثورة جذورها.بعد اعتقال الإمام الخميني اشتدت الضغوط على نظام الشاه من قبل علماء الدين وأبناء الشعب مما اضطره إلى إطلاق سراح الإمام بعد ثلاثمائة يوم من اعتقاله وذلك بتاريخ 5/4/1964 ولكنه عمد بعد إلقاء الإمام لخطابه حول اتفاقيه الامتيازات الأجنبية (الكابيتولاسيون)إلى اعتقاله مجدداً في 4/11/1964م ونفيه إلى تركيا ومن ثم إلى العراق وبعد أن استقر المطاف في النجف الاشرف واصل نشاطاته السياسيه وكثف جهوده عملا برسالته الدينية ومسؤوليته في الولاية.وكانت الحصيلة المباشرة لذلك الجهاد السياسي – الثقافي هي الوعي السياسي للشعب الإيراني..

وقد أبدى الشعب أول رد فعل عام تجاه السمة الطاغوتيه للنظام, وذلك اثر وفاة السيد مصطفى الخميني نجل الإمام ونشر السافاك لمقال مسيء في صحيفة ((إطلاعات)) وإزاء ذلك فقد رد النظام على صرخة الشعب الحقة بإطلاق النار على المتضاهرين, فكانت المدن تشهد المجازر, من ثم طقوس العزاء في السبع من استشهاد الشهداء واربعينهم حينا بعد حين.من وجهة نظر النظام فقد كان الحل يتمثل في إبقاء الإمام بعيداً عن الأمة. لذلك وبالتعاون مع النظام الحاكم في بغداد فقد تم إبعاد الإمام من العراق في3/10/1978م حيث توجه إلى فرنسا بعد امتناع الكويت عن منحه تأشيرة الدخول لأراضيها .. وهناك واصل قيادة جماهير الثورة عبر الأشرطة التي كانت تسجل و توزع عبر الناشطين على امتداد إيران أولا بأول.
«إيران والاستعماران الأحمر والأسود»: إنه الشعار الذي رفعه الشاه الإيراني المخلوع والذي أدى إلى اندلاع انتفاضة عارمة حيث يدل الشعار صراحة على إهانة للإسلام الذي ينادي به رجال الدين الإيرانيون والمرمز له بالسواد هنا. ففي بداية سنة 1978م قامت الانتفاضة الشعبية في قم ومشهد. ما لبثت أن شملت جميع المدن الإيرانية. وكان على رأس هذه الانتفاضة آية الله شريعة مداري في الداخل. وفي الخارج آية الله الخميني (الذي نفي إلى فرنسا بناء على أوامر الشاه الذي كان يريد سجنه إلا أن ترقيته من قبل مجلس العلماء في مدينة قم إلى رتبة آية الله تمنع السلطات أن تسجنه دستورياً). بالإضافة إلى الجبهة الوطنية الإيرانية بزعامة كريم سنجابي.
وكانت شعارات الانتفاضة تنادي بتنحية الشاه، وقيام جمهورية إسلامية، وقطع العلاقات مع الكيان..
وعندما أدركت الحكومة أن الناس لا ينوون التزام منع التجول ألغته وأجازت التظاهر. فخرجت المظاهرات الضخمة في أهم وأكبر شوارع طهران. حيث تسكن العائلة المالِكة وأصحاب المال. واتجهت جموع الحاشدين نحو الساحة حيث قرأ بيان أيده الجميع. وقد دعا البيان إلى إلغاء الملكية وإقامة الجمهورية الإسلامية والتزام بعض المبادىء المعينة في السياستين الداخلية والخارجية. وبعد سلسلة من الحوادث اضطر الشاه إلى ترك البلاد وهذا الأمر الذي كان يصر عليه الشعب بتشجيع من الخميني في باريس.
قام الشاه ببعض الإصلاحات ولكن دون جدوى وكان آخر رئيس للوزراء «شهبور بختيار». بعد ظهور ذاك الشعار المهين(الأحمر والأسود) الذي جاء عقب زيارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى إيران انطلقت المظاهرات الاحتجاجية الصاخبة في قم حيث استنكر الناس سجل النظام الأسود، غير أن رد النظام على ذلك لم يختلف عن السابق، فقد استعمل القوة العسكرية مما أدى إلى سقوط حوالي 200 قتيل. بعد حادثة قم أخذت سلسلة من التظاهرات تتكرر في أرجاء البلاد ليقابلها النظام بالرصاص وإراقة الدماء البريئة. ثم تطورت هذه الحوادث من مجرد حوادث منفصلة في أنحاء البلاد إلى حركة متناسقة وموحدة رافعة شعار إسقاط نظام الشاه وإقامة حكم جمهوري إسلامي مكانه.
لقد كانت تلك الانتفاضة من القوة بحيث لم يكن نظام الشاه يتوقعها. واتضح أن الشرطة السرية (السافاك) لم تستطع أن تواجه الانتفاضة الجماهيرية العارمة، كما أن أفراداً من الحامية المحلية لم يرغبوا في التدخل أو أنهم عجزوا عن التدخل بصورة مؤثرة. فاستدعى النظام التعزيزات من خارج المحافظة، ولكن دون جدوى. وفي النهاية استطاع النظام تفريق التظاهرات لا بشرطته ولا بجيشه بل برشق المتظاهرين بوابل من الرصاص من الطائرات السمتية المزودة بالمدافع الرشاشة كالتي استعملتها الولايات المتحدة الأميركية ضد الفيتناميين. وبعد ذلك بدأت الأعمال الانتقامية القاسية. ويقدر عدد الشهداء الذين استشهدوا في انتفاضة تبريز فقط في ذلك اليوم بنحو 500 شخص. وتبع ذلك عقد سلسلة من مجالس العزاء لإحياء ذكرى الشهداء في مختلف أنحاء إيران. وفي يزد استشهد عدد من الناس في آب 1978م، فقامت مظاهرات كبرى في طهران. وباقتراب الشهر المحرم بلغت الحوادث ذروتها وتحولت التظاهرات المتناثرة إلى ثورة جماهيرية لم يتنبأ بها أدق المراقبين. في اليوم الأول من محرم 1978م امتلأت الشوارع في طهران وفي عدد من المدن الأخرى بالجماهير الغاضبة وقد ارتدت الأكفان استعداداً للشهادة وتقدمت في صفوف متراصة نحو فوهات البنادق الرشاشة الموجهة إليهم. وعلى الرغم من صعوبة التوصل إلى تقدير صحيح في عدد قتلى ذلك اليوم ـ باستثناء مجزرة الجمعة السوداء في 18 أيلول 1978م ـ فإن الضحايا في هذه الحادثة كانوا أكثر من ضحايا أية حوادث أخرى.
تجمع عدد كبير من المتظاهرين في طهران في الساحة التي كانت تسمى في السابق باسم «ميدان رالة» والتي تسمى اليوم «ساحة الشهداء» كان النظام قد أعلن منع التجول دون أن يعرف بذلك الذين تجمهروا في الساحة ولم تعطَ لهم أية فرصة للتفرق، بل حوصروا من الجهات الأربع وأخذ الجنود يطلقون الرصاص عليهم من الجهات الأربع ومن الجو أيضاً. بعد هذه المذبحة المروعة التي ذهب ضحيتها نحو أربعة آلاف شهيد نسي الرئيس الأميركي جيمي كارتر كل شيء عن كامب ديفيد وبعث برسالة تهنئة إلى الشاه ومن شهر رمضان حتى محرم أي من أيلول حتى كانون الأول 1978م عادت المظاهرات الجماهيرية التي كانت قد اندلعت في أواخر شهر رمضان فتكررت في يومين عصيبين هما اليومان التاسع والعاشر من محرم واللذان يجلهما الشيعة أيما إجلال.
الثورة في عاشوراء: كان يوما التاسع والعاشر من شهر محرم هما المفصلين في تاريخ الثورة الإسلامية. في البداية أعلن أزهاري رئيس الوزراء العسكري أن منع التجول سوف يفرض من الفجر حتى المغرب. وأنه لن يسمح بإقامة أية مراسيم للعزاء الحسيني حتى في المساجد فضلاً عن الشوارع.
ورداً على ذلك صدر أمر عن الخميني في باريس بالقيام بإحياء ليلة عاشوراء بالقيام بالتجمع على أسطح المنازل خلال الليل. الأمر الذي زاد من هياج النظام الضعيف. وخلال تلك الليلة بدت أصوات التكبير والتهليل المتصاعدة من أسطح البنايات وكأنها أشبه بزلزال رهيب ماجت به طهران كلها.
في 18 كانون الثاني 1979م هرب الشاه إلى خارج إيران. وفي أول شباط 1979م وصل الخميني إلى طهران قادماً من منفاه في باريس، فلاقته الجماهير الإيرانية التي قدرت بنحو ثلاثة ملايين شخص (وقد اتصلت هذه الجماهير في خط واحد زين بالورود و بلغ طوله 33 كلم) واختفى رئيس الوزراء شهبور بختيار عن الأنظار، حيث هرب إلى باريس و عين الخميني مكانه مهدي بازركان رئيساً للحكومة المؤقتة في البلاد. وفي 31 آذار 1979م جرى استفتاء شعبي على الجمهورية الإسلامية فنالت الأكثرية الساحقة من أصوات المقترعين الذين بلغ عددهم 99%. وبعد عدة أيام تم إعدام عدد من مسؤولي جهاز «السافاك» السابقين المسؤولين المباشرين عن عدد من المجازر. وقد أدى قيام الثورة الإسلامية في إيران إلى توتر شديد في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وقطعت الإتصالات مع إسرائيل حيث استبدلت السفارة الإسرائيلية بسفارة دولة فلسطين واستقبل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات استقبالاً حاشداً وجرى تغيير كامل للسياسة الإيرانية على الصعيد الداخلي وخاصة على الصعيد الخارجي حيث أصبحت إيران من أهم الدول المعادية للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بعد أن كانت حليفتهم المثلى.
*********مبروك لأهلنا في إيران بدكرى الإنتصار *********

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق